من السهل أن نرفض مشروع «الاندماج الديمقراطي» ونكشف مخاطره، لكن الرفض وحده لا يكفي. إذا كنا نعتقد أن هذا المشروع يفرغ القضية الكوردية من مضمونها القومي، فعلينا أن نقدم بديلًا سياسيًا واضحًا وممكنًا.
ومن وجهة نظري، تبدأ الخطوة الأولى بعقد مؤتمر تأسيسي استثنائي للمستقلين، تكون مهمته إعداد وإعلان ميثاق الشرف الكوردستاني.
أنا لا أتحدث عن مؤتمر جديد تتقاسم الأحزاب مقاعده، ثم تصدر عنه صورة جماعية وبيان عام لا يغيّر شيئًا. أتحدث عن مؤتمر يعيد تعريف القضية الكوردية، ويضع المبادئ التي لا يحق لأي قائد أو حزب التنازل عنها.
لماذا أبدأ بالمستقلين؟
قد يسأل البعض: لماذا المستقلون؟ ولماذا لا ندعو جميع الأحزاب منذ البداية؟
جوابي أن الأحزاب تدخل المؤتمرات وهي محمّلة بمصالحها والتزاماتها التنظيمية وعلاقاتها الخارجية وصراعاتها على النفوذ. وعندما تجلس هذه الأحزاب لتحديد المبادئ، يصبح كل بند خاضعًا للمساومة، وقد تتحول القضية إلى محاصصة على المقاعد.
أما المؤتمر التأسيسي، فمهمته ليست اختيار زعيم أو توزيع المناصب، بل إعداد الأرضية التي ستلتزم بها الأحزاب لاحقًا. لذلك أرى أن الأكاديميين والقانونيين والمثقفين والسياسيين المستقلين أكثر قدرة على مناقشة التاريخ والقانون والدستور ومستقبل الشعب بعيدًا عن الانضباط الحزبي.
ويستطيع المؤتمر، عند الحاجة، الاستفادة من الخبرات الكوردستانية والأكاديمية والقانونية لمن يمتلكون تجربة في الإدارة والدساتير والعلاقة بين المركز والمناطق، ولكن بصفة استشارية فقط. أما القرار فيبقى للمؤتمر وممثلي كوردستان سوريا.
أهمية هذه الخطوة أنها تعيد القضية من ملكية الأحزاب والقادة إلى ملكية الشعب. فالقضية التي تبقى مرتبطة بشخص أو حزب ستتغير كلما تغيرت أفكار ذلك الشخص أو مصالح الحزب. أما عندما تصبح محمية بميثاق عام، فإن المبادئ تبقى حتى لو تغيرت القيادات.
من يشارك في المؤتمر التأسيسي؟
يشارك فيه من يؤمن بأن القضية الكوردية قضية شعب وأرض وتاريخ وهوية وحقوق قومية، ومن يقبل بأن الشعب هو صاحب القرار النهائي في تحديد مستقبله.
أما من يروّج لـ«الأمة الديمقراطية» أو «الاندماج الديمقراطي»، أو يستبدل مفهوم الشعب الكوردي بمفهوم المجتمع، فلا أرى مبررًا لمشاركته في المرحلة التأسيسية.
قد يتهمنا البعض بالإقصاء، وأنا أجيبه: هذا المؤتمر أُسس أصلًا لحماية القضية الكوردية من هذه المشاريع. فإذا شارك أصحاب المشروع الذي نريد مواجهته في كتابة ميثاقنا، فما الحاجة إلى المؤتمر؟
أنا لا أمنعهم من ممارسة السياسة أو عرض أفكارهم على الناس، لكنني أرفض منحهم حق إعادة صياغة مشروع قومي لا يؤمنون بأسسه. لكل تيار الحق في تنظيم نفسه، ومن حقنا أيضًا تأسيس إطار واضح لمن يرى أن الكورد شعب صاحب أرض وحق في تقرير المصير.
مخرجات المؤتمر: ميثاق الشرف الكوردستاني
يجب أن تكون النتيجة الأساسية للمؤتمر إعلان ميثاق يبدأ بعبارة صريحة:
القضية الكوردية قضية شعب وأرض وتاريخ وهوية وحقوق قومية. والشعب الكوردي شعب أصيل يعيش على أرضه التاريخية، وهو وحده صاحب الحق في تقرير مصيره واختيار مستقبله السياسي وفق إرادته والظروف والإمكانات المتاحة.
ويثبت الميثاق المبادئ الآتية:
الكورد شعب وقومية أصيلة، وليسوا مجرد أقلية ثقافية أو مجموعة أفراد – .
القضية الكوردية مرتبطة بالأرض والتاريخ والهوية، ولا تختصر ببعض الحقوق الثقافية -.
حق تقرير المصير ملك للشعب، ولا يحق لأي قائد أو حزب أو قوة عسكرية التنازل عنه –
لا يجوز اختزال القضية في مصير كتلة أو أي حزب أو إدارة أو قائد –
القرار السياسي في كوردستان سوريا يجب أن يكون مستقلًا عن أي مركز قرار أو تمويل خارجي.. –
. يمكن تغيير الوسائل والمراحل وفق الظروف، لكن لا يجوز التنازل عن جوهر القضية –
. الشعب هو مصدر الشرعية، وأي اتفاق مصيري يجب أن يخضع لموافقته –
الديمقراطية ليست شعارًا نطالب به من الآخرين، بل ممارسة واجبة داخل الأحزاب والمؤسسات الكوردية –
المرأة شريكة كاملة في صياغة القرار والقيادة والرقابة، وليست واجهة إعلامية أو وسيلة لتجميل سلطة حزبية ذكورية –
. العمل السياسي والقانوني والديمقراطي هو الطريق لتحقيق الحقوق، من دون تحويل السلام إلى استسلام أو الاندماج إلى ذوبان.
الحوار مع المكونات السورية الأخرى أساس للوصول إلى عقد وطني مشترك، فلا يُفرض شكل الدولة من طرف واحد، بل يُحدد بالتوافق بين الكورد والعرب والسريان والآشوريين والكلدان والأرمن والتركمان والشركس، ومع الدروز والعلويين والإسماعيليين والمسيحيين والإيزيديين وسائر المكونات السورية.
ديمقراطية الأحزاب
لا يمكن لحزب أن يطالب الآخرين بالديمقراطية بينما يبقى زعيمه في منصبه منذ التأسيس حتى الوفاة. لذلك يجب أن يكون تداول القيادة وتحديد ولايتها بدورة أو دورتين، إلى جانب شفافية القرار والتمويل، من الشروط الأساسية للانضمام إلى المؤتمر.
مشاركة المرأة
يجب أن تكون المرأة شريكة فعلية في المؤتمر والقيادة وصناعة القرار، لا مجرد واجهة إعلامية أو منصب شكلي. ولا أقصد بذلك تكرار التجارب التي رفعت شعارات تمكين المرأة، بينما استخدمت حضورها لخدمة خطاب الحزب من دون منحها استقلالًا وسلطة حقيقية.
كيف تنضم الأحزاب إلى المؤتمر العام؟
بعد إعلان الميثاق، تُدعى الأحزاب إلى تبنيه. لكن لا يكفي أن يوقع الحزب على ورقة أو يصدر بيانًا إعلاميًا.
على الحزب الراغب في الانضمام أن:
– يعدّل برنامجه ونظامه الداخلي بما ينسجم مع الميثاق.
– يتخلى علنًا عن المشاريع التي تنكر الطبيعة القومية للقضية.
– يطبق التداول الداخلي للسلطة وتحديد مدة القيادة.
– يضمن مشاركة حقيقية للمرأة.
– يعلن مصادر تمويله وعلاقاته المؤثرة في قراره.
– يقبل المساءلة وتعليق عضويته إذا خالف الميثاق.
وتتولى لجنة مستقلة من القانونيين والأكاديميين مراجعة طلبات الانضمام ومراقبة التزام الأحزاب قبل منحها العضوية الكاملة.
ماذا لو غيّر الحزب برنامجه على الورق فقط؟
قد يطرح البعض احتمال أن يغير حزب أهدافه وبرنامجه رسميًا، ثم يستمر في ممارسة فكره السابق سرًا.
وأنا أقول إن هذا ممكن نظريًا، لكنه صعب عمليًا. فالحزب الذي يتخلى رسميًا عن مشروعه السابق، ويعترف بأن القضية الكوردية قضية شعب وأرض وحقوق قومية، يكون قد دفن مشروعه السابق بيده، ووضع نفسه أمام امتحان علني.
عند أول خطاب متناقض، وأول قرار مخالف، وأول محاولة للالتفاف على الميثاق، سينكشف أمام الناس. وعندها لن يخسر عضويته في المرجعية فقط، بل سيبدأ بخسارة صدقيته وجمهوره؛ لأنه سيكون قد أعلن شيئًا ومارس نقيضه.
ثم من قال إن جميع الأحزاب ستقبل الميثاق؟
بعضها سيهاجمه ويرفضه منذ البداية، لأن قيام قرار كوردي مستقل وديمقراطي قد لا يخدم مصالح الجهات التي تؤثر في قراره أو تمويله. ولهذا يمكن أن يصبح المؤتمر وطريقة التعامل مع مخرجاته إحدى الأدوات التي تكشف حقيقة نوايا الأحزاب وارتباطاتها.
من يوافق سيوضع أمام اختبار الممارسة، ومن يرفض سيضطر إلى شرح سبب رفضه أمام الشعب، ومن يراوغ ستكشفه تناقضاته.
وهذه بحد ذاتها نتيجة سياسية مهمة؛ لأننا سننتقل من الاتهامات العامة إلى امتحان واضح ومعلن.
هل يعني الميثاق الانفصال؟
لا. حق تقرير المصير لا يعني أن الانفصال تقرر مسبقًا، كما أن الفيدرالية ليست غاية مفروضة على الجميع.
الغاية هي ضمان حقوق الشعب الكوردي ووجوده وهويته ودوره في إدارة البلاد، أما شكل الدولة فيحدده الحوار مع بقية المكونات السورية: العرب والسريان والآشوريين والكلدان والأرمن والتركمان والشركس، ومع الدروز والعلويين والإسماعيليين والمسيحيين والإيزيديين وسائر المكونات.
فالميثاق لا يطرح حلًا كورديًا بمعزل عن السوريين، بل يدعو إلى حوار وطني يحدد شكل الدولة والدستور والعلاقة بين المركز والمناطق، بما يحفظ مكانة كل مكون ودوره في بناء سوريا وإدارتها.
إذا تمكنا معًا من بناء دستور يعترف بأن سوريا لجميع السوريين، ويعترف بالكورد شعبًا أصيلًا، ويحمي في الوقت نفسه حقوق جميع المكونات وهوياتها ومشاركتها السياسية، فلماذا نرفض ذلك؟
قد يكون الحل فيدراليًا أو لامركزيًا، وقد يكون حتى نظامًا مركزيًا ديمقراطيًا إذا تضمّن ضمانات دستورية حقيقية تمنع احتكار السلطة وتحفظ حقوق جميع الشعوب والمكونات. فالفيدرالية وسيلة وليست غاية، والعبرة ليست باسم النظام، بل بما يقدمه من اعتراف وحقوق وضمانات فعلية.
الفشل هو الخروج من المفاوضات من دون الاعتراف بالكورد شعبًا، ومن دون ضمانات دستورية ملزمة. أما انتزاع هذا الاعتراف، فيمنحنا أساسًا يمكن البناء عليه وتطويره سياسيًا.
وإذا رفضت السلطة وبقية القوى السورية الاعتراف بهذه الحقوق، تبقى القضية قائمة ويستمر النضال من أجلها بالوسائل السياسية والقانونية والديمقراطية.
المؤتمر الكوردي العام
بعد إقرار الميثاق وقبول الأحزاب الملتزمة به، يُعقد المؤتمر الكوردي العام بمشاركة المستقلين والأكاديميين وممثلي المناطق والمهجّرين والنساء والشباب والأحزاب المقبولة.
ينتخب المؤتمر مرجعية سياسية محددة المدة، ولا يسمح لأي حزب بالسيطرة عليها. وتنبثق عنها لجان دستورية وسياسية وقانونية ودبلوماسية، إضافة إلى وفد يتفاوض باسم الشعب.
أما القادة العسكريون، فتقتصر مهمتهم على الملفات الأمنية والعسكرية، ولا يحق لهم احتكار التمثيل السياسي.
الخلاصة
ميثاق الشرف الكوردستاني ليس بيانًا جديدًا، بل عقد يحدد القضية وشروط تمثيلها.
المؤتمر التأسيسي يكتب الميثاق، والأحزاب تُختبر بمدى التزامها به، والمؤتمر العام ينتخب المرجعية، والشعب يبقى صاحب القرار النهائي.
و هذا الطريق قد يكشف أيضًا من يريد فعلًا بناء قرار كوردي مستقل، ومن يستخدم القضية لحماية حزبه أو خدمة ارتباطاته.
أنا لا أبحث عن وحدة شكلية بين مشاريع متناقضة، بل عن وحدة قائمة على مبادئ واضحة: الكورد شعب، لهم أرض وتاريخ وهوية، ومن حقهم أن يقرروا مستقبلهم.
وبين الحرب والاستسلام توجد حلول سياسية كثيرة. من يقول إن «الاندماج الديمقراطي» هو الخيار الوحيد، لا يقدم حلًا، بل يعترف بأنه عاجز عن صناعة البدائل.
بقلم: الإعلامي ولات بكر








