بقلم: ولات بكر
منذ الإعلان عن اجتماع وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني مع نظيره الأردني أيمن الصفدي في دمشق، لفت انتباهي أن البيان الرسمي لم يتحدث عن الجنوب السوري بصورة عامة فقط، بل ذكر بصورة واضحة متابعة تنفيذ خارطة الطريق الثلاثية المتعلقة بالسويداء.
وبرأيي، هذه الإشارة ليست تفصيلًا بروتوكوليًا عابرًا. فالاجتماع يأتي في وقت تتحرك فيه مجددًا المفاوضات بين دمشق وإسرائيل، وفي ظل صراع لم يعد مقتصرًا على مستقبل السويداء، بل وصل إلى سؤال أكثر حساسية: من يمتلك حق تمثيل السويداء والتحدث باسم أهلها؟
وبحسب وكالة سانا، ناقش الشيباني والصفدي تطورات الجنوب السوري ومسار تنفيذ الخارطة التي وضعتها سوريا والأردن والولايات المتحدة، إضافة إلى التحضير للدورة الثالثة لمجلس التنسيق الأعلى السوري–الأردني، المقرر عقدها في دمشق خلال تشرين الأول المقبل.
لكن البيان لم يوضح الخطوات التي سيبدأ تنفيذها، ولم يكشف إن كان الطرفان قد اتفقا على تشكيل وفد جديد من السويداء أو عقد لقاءات مع شخصيات محلية. لذلك علينا أن نعود إلى النص الأصلي لخارطة الطريق لفهم ما يمكن أن يجري التحضير له.
ماذا تتضمن خارطة الطريق؟
بحسب خارطة الطريق الموثقة دوليًا، تنص الخطة على مرحلة انتقالية أمنية وإدارية، تنتهي بما سمّته إعادة الاندماج الكامل للسويداء في مؤسسات الدولة السورية.
ومن أبرز ما تقترحه:
– تشكيل مجلس محافظة يمثل مختلف مكونات السويداء.
– إنشاء شرطة محلية تضم أبناء المحافظة.
– تعيين ضابط من السويداء، تختاره وزارة الداخلية، لقيادة الشرطة المحلية.
– التفاوض على تركيبة هذه القوة وصلاحياتها.
– نشر قوات من وزارة الداخلية على طريق دمشق–السويداء.
– إخراج المقاتلين المدنيين من الحدود الإدارية للمحافظة.
– إعادة المهجّرين إلى قراهم ومنازلهم.
– استكمال تبادل المحتجزين والمخطوفين.
– فتح ملفات الانتهاكات وإعادة إعمار القرى المتضررة.
كما تمنح الخارطة الأردن دورًا في دعوة ممثلين عن الدروز والمسيحيين والسنّة والعشائر البدوية إلى لقاءات منفصلة، قبل جمعهم في لقاء مشترك للمصالحة.
ظاهريًا، يبدو الحديث عن تمثيل جميع المكونات أمرًا إيجابيًا. لكنني أتساءل: من سيختار هؤلاء الممثلين؟ وهل سيكونون ممثلين حقيقيين لأهل السويداء، أم شخصيات تختارها دمشق وتقبل بها لتشكيل مرجعية بديلة عن الشيخ حكمت الهجري؟
هل يجري التحضير لتجاوز الهجري؟
لا توجد حتى الآن معلومات مؤكدة تقول إن اجتماع الشيباني والصفدي قرر استبعاد الشيخ حكمت الهجري. لذلك لا يجوز تقديم هذا الاحتمال كخبر محسوم.
لكن صياغة خارطة الطريق تترك الباب مفتوحًا أمام هذا الاحتمال؛ فهي لا تعترف بالهجري ممثلًا رئيسيًا للسويداء، ولا تذكر المرجعية الروحية بصورة مباشرة، بل تتحدث عن «المجتمعات المحلية» و«المكونات» ووفود متعددة يجري اختيارها للمشاركة في المفاوضات.
وهنا أرى أن القضية لا تتعلق بما يسميه البعض «احتكار الهجري للقرار»، بل بالسؤال المقابل: هل تريد دمشق تفكيك الموقف الموحد للسويداء، وتوزيع قرارها بين شخصيات متفرقة يسهل الضغط عليها والتفاوض معها؟
فالشيخ حكمت الهجري لم يكتسب حضوره من قرار حكومي أو اعتراف خارجي، وإنما من موقعه الديني والاجتماعي، ومن موقفه خلال الأحداث الدامية التي عاشتها المحافظة. كما أن تمسكه بضمانات حقيقية قبل عودة القوى الأمنية الحكومية جاء بعد انهيار الثقة وخشية الأهالي من تكرار الانتهاكات.
توحيد القرار في هذه الظروف لا يعني بالضرورة إلغاء التعددية أو مصادرة آراء أبناء السويداء. وقد يكون، من وجهة نظر مؤيدي الهجري، ضرورةً لحماية المحافظة ومنع فرض حلول عليها من خارجها.
أما محاولة صناعة ممثلين جدد تحت عنوان «توسيع المشاركة»، فقد تتحول إلى وسيلة لإضعاف موقف السويداء التفاوضي، خصوصًا إذا لم يكن اختيار هؤلاء الممثلين نابعًا من إرادة أهل المحافظة.
الموقف الإسرائيلي الجديد
في 23 آب الماضي، عقد الشيباني اجتماعًا مباشرًا في الأردن مع مدير جهاز الموساد رومان غوفمان، بوساطة أميركية. وبحسب وكالة رويترز، ناقش الاجتماع وقف الغارات والاعتقالات والعمليات الإسرائيلية، وإعادة إطلاق المفاوضات بشأن اتفاق أمني في الجنوب السوري.
وطالبت دمشق خلال اللقاء بانسحاب إسرائيل إلى المواقع التي كانت فيها قبل 8 كانون الأول 2024، وإعادة تطبيق اتفاق فض الاشتباك لعام 1974، ووجود قوات الأمم المتحدة وحدها داخل المنطقة العازلة.
كما رفضت سوريا أي ترتيبات تمنعها من بناء قواتها المسلحة أو تفرض قيودًا دائمة
على تحالفاتها وعلاقاتها العسكرية
لكن إسرائيل لم تعلن موافقتها النهائية على هذه المطالب، كما لم تعلن تراجعها عن موقفها المتعلق بحماية دروز سوريا. وفي الثامن من أيلول، قالت البعثة الإسرائيلية في جنيف إن وجود إسرائيل داخل المنطقة العازلة مؤقت، وإنها لا تملك أطماعًا إقليمية في سوريا، بينما تحدثت لجنة تحقيق تابعة للأمم المتحدة عن وجود عسكري إسرائيلي متزايد ومترسخ داخل القنيطرة ودرعا، بحسب وكالة رويترز.
هذا يكشف أن إسرائيل تتحرك على مسارين: تفاوض دمشق على ترتيبات أمنية في الجنوب، لكنها تحتفظ في الوقت نفسه بأوراقها الأمنية والسياسية، وفي مقدمتها علاقتها بدروز سوريا.
ماذا تعني تصريحات الهجري؟
ازدادت حساسية الملف بعد تصريحات الشيخ حكمت الهجري في آب الماضي بشأن العلاقة مع إسرائيل، وحديثه عن أن الدروز جزء منها، وعن ضرورة إيجاد حل لمستقبل السويداء من خلال التفاهمات الإقليمية والدولية.
يمكن الاختلاف مع بعض العبارات أو مناقشة دلالاتها السياسية، لكن لا يمكن عزلها عن السياق الذي صدرت فيه: أحداث دامية، وانهيار للثقة بدمشق، وغياب ضمانات واضحة تمنع تكرار الاعتداءات على أبناء السويداء.
لذلك لا أرى أنه من المنصف استخدام تصريحات الهجري وحدها لتقديمه وكأنه يبحث عن مشروع شخصي. الأهم هو مناقشة الأسباب التي دفعت جزءًا كبيرًا من أبناء السويداء إلى البحث عن ضمانة خارجية بعدما شعروا بأنهم تُركوا وحدهم أمام الخطر.
ما يجري اليوم ليس مجرد خلاف بين دمشق والسويداء، بل معركة سياسية حول هوية من يتحدث باسم المحافظة. دمشق تريد العودة إلى السويداء من خلال مجلس محلي وشرطة خاضعة لوزارة الداخلية ووفود متعددة، بينما يتمسك الهجري بضمانات تسبق أي عودة أمنية وبموقف موحد يمنع فرض الحلول من الخارج.
ومن وجهة نظري، لا يمكن صناعة حل مستقر عبر تجاوز الشيخ حكمت الهجري أو محاولة خلق مرجعية بديلة عنه. قد تستطيع دمشق جمع شخصيات توافق على خطتها، لكنها لن تستطيع تحويلها تلقائيًا إلى ممثلين حقيقيين لأهل السويداء.
الحل الجدي يبدأ بالاعتراف بثقل الهجري وموقعه، ثم التفاوض معه ومع القوى الفعلية الموجودة على الأرض، تحت ضمانات دولية واضحة. أما تفتيت القرار الدرزي تحت عنوان «توسيع التمثيل»، فلن يعالج الأزمة، بل قد يحوّل الخلاف السياسي إلى انقسام داخلي يدفع ثمنه أبناء السويداء أنفسهم.










